محمد بن عبد الله الصفار
90
رحلة الصفار إلى فرنسا
هائلا من السكان وهم يشتغلون بحيوية كبيرة وبانسجام وتوافق تامين . كما تبنى محمد الصفار المفاهيم الخلدونية المتعلقة بالسلطة السياسية . وكان الفيلسوف المغاربي يؤمن بأن بني الإنسان أنانيون بطبعهم ، ولا بد من استعمال القوة لكبح جماحهم . ومن الخصائص المميزة للمجتمعات المحكمة التنظيم ، هي أن يكون على رأسها ملك قوي تحت إمرته جيش شديد البأس ، ولديه إمكانات مالية متينة يستند عليها لتدبير كل شؤونه . إن اهتمامات الصفار - كما تبدو من خلال صفحات الرحلة - بالقضايا العسكرية والمالية ، لم تكن مجرد انعكاس لمشاكل كانت قائمة وقتئذ في المغرب ، بل كانت في الوقت نفسه إسقاطا لاعتقاداته المكتسبة من قراءته لكتابات ابن خلدون ، والتي تعتبر المال والرجال دعامتين أساسيتين لا مناص منهما لضمان استمرار الدولة ووجودها . إن نظريات ابن خلدون المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي قد زودت محمد الصفار بأفكار واضحة المعالم عن المجتمعات الفاعلة والمنتجة . وكل الأشياء التي شاهدها الصفار في فرنسا من دور وبنايات مشيدة ، وورشات عمل وحوانيت نابضة بالحيوية ، إلى جانب الحقول المزروعة والأراضي المحروثة وغيرها ، كانت دلائل ناطقة بدرجات التقدم الحضاري ، بشكل مماثل لما سبق له الاطلاع عليه في صفحات المقدمة . وحتى الخطبة التي ألقاها ملك فرنسا من أعلى عرشه يوم الاحتفال بمطلع السنة الجديدة ، كانت تعبيرا عن المفاهيم الخلدونية المدونة في المقدمة المتعلقة بمظاهر السلطة عند الملوك « 1 » . وتعتبر كل هذه الأفكار جزء من الثقافة التقليدية المنقولة عبر الأجيال من العلماء المغاربة إلى الأجيال اللاحقة ، وفي وسط ضيق من المتعلمين في مستوياتهم العليا ، وهي معروفة لدى العناصر ذات التكوين الجيد . ومن الطبيعي أن تجد مثل تلك الأفكار صدى لها ، بل وأن تلقى الاستحسان في ذهن كل هؤلاء عند قراءتهم للرحلة . إن استحضار الصفار لابن خلدون واحتماءه بأفكاره قد فسحا له مجالا واسعا للتصرف بكامل الحرية . ذلك بأن تقديمه لتصوراته المتعلقة بفرنسا وفقا للنمط الخلدوني ، جعله قادرا على التعبير عن مدى إعجابه بالفرنسيين وبكل ما حققوه من منجزات ، مع إمكانية بقائه في الوقت نفسه في إطار الحدود الثقافية المسموح بها . وكان بوسعه القيام بذلك ، لأن المجتمع الفرنسي كان يبدو له - على الأقل من حيث
--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب .